اقلام وافكار حرة

د. خالد الكردي: ماذا تعرف عن أخطر المؤتمرات الاستعمارية؟

انه مؤتمر لندن او ما يسمى “كامبل بانرمان” سنة 1907 لتفتيت الوطن العربي.

يعتبر هذا المؤتمر من أهم وأخطر المؤتمرات الاستعمارية التي لا تزال توصياته ومقرراته يعمل بها لغاية اليوم.

فما هذا المؤتمر وما هي قراراته؟

انعقد مؤتمر لندن أو ما يسمى بمؤتمر كامبل بنرمان الذي دعا إليه حزب المحافظين البريطاني سرا في عام ١٩٠٥، واستمرت مناقشات المؤتمر الذي ضم الدول الاستعمارية في ذاك الوقت وهي:” بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال ” ، حتى عام ١٩٠٧.

ففي عام ١٩٠٥ دعا حزب المحافظين البريطاني سراً إلى عقد مؤتمر يهدف إلى إعداد إستراتيجية أوروبية،(خاصة وان السلطنة العثمانية كانت في مرحلة الاحتضار حيث أطلق عليها تسمية الرجل المريض) ومن اجل ضمان سيادة الحضارة الغربية على العالم، وإيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الغرب الاستعماري إلى أطول أمد ممكن. ولما كان حزب المحافظين خارج الحكم، فقد قدم فكرة الدعوة إلى عقد المؤتمر إلى رئيس حزب الأحرار: ” هنري كامبل بنرهان” رئيس الوزارة البريطانية آنذاك.

كان “كامبل” مولعاً بفلسفة التاريخ، وكان معنياً بأن تبقي بريطانيا على امبراطوريتها التي تمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها . وقد شارك في المؤتمر فلاسفة ومشاهير المؤرخين وعلماء الاستشراق والاجتماع والجغرافية والاقتصاد،إضافة إلى خبراء في شؤون النفط والزراعة والاستعمار.

وبالنظر إلى ضخامة الدراسات وأوراق العمل المقدمة إلى المؤتمر، تشكلت لجنة للمتابعة سميت بلجنة الاستعمار.

نظمت اللجنة “استفتاءات شملت الجامعات البريطانية والفرنسية التي ردت على التساؤلات المطروحة، بأجوبة مفصلة، وقد شملت اتصالات اللجنة المفكرين والباحثين وأصحاب السلطة في حكومات الدول الغربية إضافة إلى كبار الرأسماليين والسياسيين.

وفي ختام المؤتمر خرج المؤتمرون بوثيقة سرية سموها “وثيقة كامبل” نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان. وتوصلوا إلى نتيجة مفادها:

“إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار إلا أنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات” والإشكالية في هذا الشريان هو أنه كما ذكر في الوثيقة” : … يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان.”

وقد تحدث عدد من الباحثين عن هذا التقرير منهم: الدكتور جاسم سلطان في كتابه “إدارة فلسفة التاريخ” الذي اشار الى انه قد تم الإفراج عن التقرير لمدة أسبوعين فقط ثم أعيد خوفاً من آثاره الممتدة. كما ان الأستاذ محمد حسين هيكل أورد في كتابه “المفاوضات السرية وإسرائيل” التوصية النهائية للتقرير تحت عنوان : ” توصية بنرمان”. ” إلاّ أن أهم المراكز البحثية التي نشرت التقرير هي وزارة الإرشاد القومي في مصر سنة 1969 إذ تضمن الجزء الاول من “ملف وثائق فلسطين” من عام ٦٣٧ م- إلى عام ١٩٤٩ التقرير تحت عنوان :توصية مؤتمر لندن المسمى: مؤتمر كامبل سنة ١٩٠٧”.

فما هي توصيات ومقررات المؤتمر؟

أبرز ما جاء في توصيات المؤتمرون في هذا المؤتمر والذي شارك فيه سياسيون ومفكرون وباحثون والذي استمر لمدة عامين كم ذكرنا ما يلي:

١- إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة

وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى : دول الحضارة الغربية المسيحية دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا والواجب تجاه هذه الدول هو دعمها ماديا وتقنيا لتصل إلى مستوى تلك الدول.

الفئة الثانية : دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديدا عليها كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها.

الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديدا لتفوقها وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.

٢- محاربة أي توجه وحدوي فيها

ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي والذي يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب الا وهي دولة إسرائيل واعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة . وفصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا ليس فقط فصلاً مادياً عبر الدولة الإسرائيلية، وإنما اقتصاديًا وسياسياً وثقافياً، مما يبقي العرب في حالة من الضعف .واستمرار تجزئة الوطن العربي وإفشال جميع التوجهات الوحدوية إما بإسقاطها أو تفريغها من محتواها، ومما يؤكد صدقية انعقاد هذا المؤتمر وقرارته ما شهدته وتشهده امتنا العربية من احداث، فمن اتفاقية سايكس -بيكو 1916 التي قسمت بلادنا الى وعد بلفور 1917 (وعد من لا يملك لمن لا يستحق) والذي تضمن وعداً بريطانياً للزعيم الصهيوني “روتشيلد” بإقامة وطني قومي لليهود على أرض فلسطين، وصولاً الى نكبة 1948 الى العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حين أعلن الرئيس المصري الراحل آنذاك جمال عبد الناصر تأميمه لقناة السويس، حيث اعتبر الغرب الاستعماري ان هذا القرار يمس بصلب وثيقة “كامبل بانرمان” حول قناة السويس (الشريان الحيوي للاستعمار) فشنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانها الثلاثي، وقد شاركت فرنسا في هذا العدوان انتقاماً من دعم مصر عبد الناصر لثورة الجزائر ،و استطاعت مصر افشال هذا العدوان. وصولاً الى تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة التي استمرت لثلاث سنوات حيث وقعت مؤامرة الانفصال في 28 ايلول 1961 وصولاً الى قصف العدو الصهيوني للمفاعل النووي العراقي “تموز” في 7 جزيران 1981، وقبل ذلك بسنة تم اغتيال العالم النووي المصري “يحي المشد” الذي كان يعمل في مشروع النووي العراقي . حتى ان عمليات اغتيالات العلماء العرب والمسلمون من حسن كامل الصباح ولغاية ايامنا هذه لم تتوقف ، مما يشكل دليلاً أكيداً على استمرار الاستعمار والعدو الصهيوني بتنفيذه وتطبيقه لقرارات وتوصيات هذا المؤتمر.

لذلك وانطلاقاً من الأمانة العلمية والمسؤولية التي تقع علينا كباحثين ومؤرخين، قمت بإعداد هذا المقال لكي يطلع شباب هذه الأمة على ما يحاك لهذه الأمة من دسائس ومؤامرات لمنعها من التقدم والتطور والوحدة.

والله من وراء القصد.

إعداد المؤرخ الأستاذ الدكتور خالد ممدوح الكردي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق