حوّاء

من القائل: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ؟

كثير مما التبس عليه الأمر في قول الله عز وجل: “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ” بأنه كلام مباشر من الله للمرأة، ومحاولة المرأة أيضاً بأن تُنفي هذه الخاصية عن نفسها حتى لا تكون شمَّاعَة لضعاف النفوس في استغلال كلام الله في ذلك في أي موقف كان، هو ما جعلني أبحث كثيراً في هذه المسألة.

إن ما وقفت عليه من كتب التفسير مثل تفسير السعدي، ابن كثير، والقرطبي والطبري وغيرهم، وما وجدته من أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تفاسير العلماء وطلاب العلم وفتاوى من بعض المواقع الموثوقة، وجدت في ملخص الأمر.. إن الكثير منا ظن أن قول الله عز وجل: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) هو قول مباشر من الله للمرأة فهذا كلام غير صحيح، بل هو قول حاكم مصر العزيز في قصة يوسف عليه السلام لامرأته على ما ضَمَرَتْه ليوسف من مَكرٍ وكَيْدٍ لِتُراوِده عن نفسه، وعِظَم احتيالها وفِتْنَتها في محاولتها للتخلص من وَرْطَتها ومَوْقفها مع زوجها العزيز عندما رأته عند الباب.

 

وما جاء في كتابه: “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ” ورغم أن من نطق بهذا الكلام هو العزيز لامرأته، فمع ذلك لم ينفي الله سبحانه وتعالى هذا الكيد الصادر عن المرأة من أنه كيد عظيم فعلاً. ومن قال بأن المرأة أشد مكراً وكيداً من الشيطان نفسه فهذا مفهوم خاطئ، لأن الشيطان هو الأكثر مكراً في وساوسه لبني آدم ولا نستطيع أن نقارن بين المرأة وبين الشيطان فليست مقارنة منطقية ولا صحيحة ولا دلالة فيها أصلاً أن تكون بين بشرٍ وبين شيطان.

وأما مقارنة عِظَم الكيد فإن المرأة فعلاً هي أعظم كيداً من الرجل ولكن ليس هذا لعموم النساء، هو فقط إذا ما تصرفت إحدى النساء كما تصرفت به امرأة العزيز أو لأي موقف فيه من إضمار الشر للغير. وأما مقارنة كيد الله وكيد الشيطان فإن كيد الشيطان أضعف من كيد الله سبحانه وتعالى كما جاء في قوله عز وجل: “إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً“، وكيد الله هنا كما جاء في كتابه العزيز: “وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ“، يُمْهِل الله سبحانه وتعالى المشركين بِظَنِّهِم أنهم لن يُعاقبوا ولن يُؤاخَذوا بما يَقومون به، فيزداد بذلك شَرَّهم وكفرهم وطُغْيانهم وبالتالي تزيد عقوبتهم وعذابهم عند الله، ومن حيث لا يشعرون يكون قد ضَرُّوا أنفسهم حتى يكون كيد الله لهم بليغاً وقوياً. وصفة الكيد هذه غير محصورة على المرأة فقط، بل للرجل نصيب في ذلك كما قال الله عز وجل: “قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِين“.

 

ولا ننسى أيضاً إن خاصية المَكْر لا تكون إلا في الضعفاء الذين لا يستطيعون مواجهة المواقف مباشرة، فيتحول هذا الضعف إلى قوة يتم مزاولتها في الخفاء، فتصبح هذه القوة كبيرة لمن يَكيدوا لهم، فيعملوا على انتهاز واستغلال الفرص حتى يَنْقَضُّوا على خُصومِهِم، بحيث لا يكون حتى في قلوبهم نوعاً من الرحمة ليمنحونها لهؤلاء الخصوم، وكلما زاد ضعف الشخص زاد مكره وكيده. والعكس صحيح بالنسبة للقوي الذي يثق بنفسه وقدرته في التعامل مع المواقف والذي لا يهاب المواجهة في حياته لأنه ملاصق للحق ويسانده الله عز وجل في ذلك، ولهذا تجد أنه إذا تمكن من خُصومه قد يُعطيهِم فُرَصاً أخرى للاعتدال وتبنِّي الصَّواب.

إن كلمة (مَكْر) بمعناها الفرعي المتصل مع (الكَيْد) مع التَّعَمُّق في المعنى هو التخطيط والتدبير لعمل أمر ما، فإذا تحول هذا التخطيط والتدبير إلى تنفيذ أصبح المعنى في فعل (الكَيْد). وأقول إن هذا الكَيْد وما أراه من وجهة نظري.. هو فيه من السلبية التي ذكرناها آنفاً، وفيه من الإيجابية أيضاً.. ومن الإيجابية أكثر للمرأة من الرجل.. كيف؟ أقول لك.. إن التخطيط والتدبير والتفكير في الأمور مسبقاً لعمل شيء للمستقبل هذه ميزة جميلة بل ورائعة بالنسبة لكلا الجنسين، ولكن إذا ما تم استخدام هذه الميزة في الشر فسوف تكون وباءاً في الدنيا والآخرة على صاحبها. وإن تم استخدامها في الخير، فتكون خيرا مديداً لسنين عديدة من تنسيق الأمور وتنظيمها وإدارتها. وأُبَشِّر المرأة بأن هذه الميزة هي لها أعظم وأقوى من الرجل، وهذا لأن كيد المرأة هو أعظم من كيد الرجل كما جاء في كتابه العزيز ولم يأتي نفي من الله بذلك كما ذكرت سالفاً.

 


شواهد تَفَوُّق المرأة على الرجل في ذلك كثيرة إن كان في بيتها وزوجها وأولادها من تربية وتعليم وحمل وولادة والتأليف بين القلوب والحنان والرحمة والرأفة والصبر والعطاء والكثير من الأمور

 

وشواهد تَفَوُّق المرأة على الرجل في ذلك كثيرة إن كان في بيتها وزوجها وأولادها من تربية وتعليم وحمل وولادة والتأليف بين القلوب والحنان والرحمة والرأفة والصبر والعطاء والكثير من الأمور التي تديرها المرأة معاً وفي نفس الوقت. ولو قال الشخص فينا ما هو التدبير في الحنان والحب؟ لقلت أن توزيع الحنان على من يستحقه مصحوبا بالحب للذي ينتظره وكم عليها أن تعطي كي لا يكون خراباً بدل أن يكون إصلاحاً هو في حد ذاته من التدبير. ولو كان للمرأة كامل الحق في أن تكون لهذه الميزة والخصال الحميدة مجال لتمارسها في غير الأمور المنزلية لكان أثر ذلك كبيرا على حال المجتمع ككل. وأما بالنسبة لغالبية الرجال يكون تركيزهم على عمل واحد أو إثنين حتى يتم إنجازه بدقة وكمال أكثر وهذا ما أثبتته الدراسات والأبحاث.

نعم على المرأة أن تكون سعيدة في أن يكون كيدها عظيم، فهي ميزة جبلها ووضعها الله لها، وما أكثر ما وضع الله لها من مميزات رائعة لا تعد ولا تحصى ومن الصعوبة على الرجل من أن يقوم بها أو حتى أن يصل لها، ولكن عليها أن تستخدمها في طاعة الله وليس في معصيته وسوف تجد الأثر الكبير عليها وعلى مجتمعها ككل، فتعمل على تحويل صفة الكيد السلبية بالنسبة لصفة الإنسان إلى صفة جميلة تضيفها إلى صفاتها الاخرى. وطبعاً لكي لا ننقص حق الرجل فينا، فإن له أيضا من المميزات والخصال التي وضعها الله به لا تستطيع القيام بها المرأة حتى لو اجتمعت الكثير منهن على أمر واحد.

علينا محاولة تصحيح بعض المفاهيم التي عشنا على أثرها سنين طويلة، وتفسير صحيح للآيات ومعانيها، وما أكثرها من مفاهيم ومعتقدات قد تربينا عليها منذ الصغر وهي على خطأ وما زلنا عليها، وذلك تقصير منا بأنفسنا من عدم البحث والتثبت بمعاني تداولها، ففي تثبت الأخبار ونقل الصحيح من السقيم، نحتاج إلى مخافة الله الخالق العظيم، وفي ذلك جاء عن أبو إسحاق القيرواني: (قال بعض الحكماء: إياك والعجلة، فإنّ العرب كانت تكنّيها أمّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة).

 

لن نخرج من دائرة الجهل بالمعاني ونقل الكلامِ، إلا علمٍ له الرِّفعة والتقدير أمام الفقهاء والعوامِ، بالعلم نرتقي إذا ما استخدمناه في حسن تَصْريف والبعد عن الحرامِ، ولن تجد في حلاوة التَّزُيُّن من جمالِ، أفضل من حاملٍ للعلمِ وفي العَقْل جمالِ، هذا الصحابي الجليل علي بن أبي طالبِ، له من جمال الشعر وصفٌ للعلم وللأدبِ:

لَيسَ البَلِيَّةُ في أَيّامِنا عَجَباً
بَلِ السَلامَةُ فيها أَعجَبُ العَجَبِ
لَيسَ الجَمالُ بِأَثوابٍ تُزَيِّنُنا
إِنَّ الجَمالَ جَمالُ العَقلِ وَالأَدَبِ
لَيسَ اليَتيمُ الَّذي قَد ماتَ والِدُهُ. 

بقلم : مصطفى فاخوري

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى