منوعات

هل للحيوانات أخلاق؟ السؤال الحائر بين الفلاسفة وعلماء السلوك

الأخلاق في آراء الفلاسفة

أشار الكاتب إلى نقطتين رئيسيتين للإجابة عن هذا السؤال. أولا، ما هو الحس الأخلاقي؟ تشير الفيلسوفة كاثرين لاريير إلى القصص التي جمعها الفيلسوف فلوطرخس والتي تبرز وجود حس أخلاقي في الحيوانات وتقول إنه حتى القرنين الـ17 والـ18 كنا نعتقد أن الأخلاق مرتبطة بالعقل.

في المقابل، دحض الفلاسفة الأنغلوساكسونيين -على غرار ديفيد هيوم- هذه النظرية ولم يعد يُنظر إلى العقل على أنه الطريقة الوحيدة للوصول إلى الأخلاق. فضلا عن ذلك، يتحدث الفيلسوف والاقتصادي آدم سميث -في نظريته عن المشاعر الأخلاقية- عن التحلي بالأخلاق على نحو غير عقلاني.

من جهته، يطرح تشارلز داروين فكرة الانتقاء بالتطور؛ حيث يدعونا إلى الاعتقاد “بأن الإنسان لا يُعدّ الحيوان الأخلاقي الأول وأن الحيوانات التي لا تعطي الأولوية لبقائها الوحيد وتفضل التواجد في شكل مجموعات وبقاء النوع ستميل إلى الانتقاء بشكل أكبر”.

ويبدو أن دراسة سلوك الحيوان تثبت صحتها، إذ تمكن علماء السلوكيات من إثبات أنه يقع انتقاء الحيوانات القادرة على التآخي نظرا لأن ذلك يحافظ على بقاء النوع. وقد لاحظ العلماء وجود إحساس بالعدالة والتعاطف في الحيوانات، وميلها إلى رعاية الأفراد الآخرين من جنسها، والقدرة على التضحية من أجل الآخرين.

فضلا عن ذلك، أثبت عالم الرئيسيات وعالم الأخلاق الهولندي فرانس دي وال، أنه يمكننا اعتبار أن القردة قادرة على العدالة والتعاطف، وأن لديها إمكانية بلوغ شكل من أشكال الأخلاق الساذجة.

بين مركزية الإنسان والتجسيم

قال الكاتب إنه بالنسبة لكاثرين لاريير، يمكن أن يكون الحس الأخلاقي عند الحيوانات “نابعا من دافع داخلي أو من إحساس الرغبة في البقاء”.

ويقترح الفيلسوف نيكولاس ديلون أن تمتع الحيوانات بالأخلاق شبيه باحترام السلوكيات المعيارية اجتماعيا وللقواعد الاجتماعية التي تميز بين الأشياء التي يجب القيام بها والأشياء التي لا يجب القيام بها.

وسلط الكاتب الضوء على نقطة إشكالية وهي ضرورة إيجاد توازن بين المركزية البشرية من جهة، ويفترض أن يكون الإنسان سيّد الأحياء وحقيقة أنه وحده يستطيع ممارسة الحس الأخلاقي من جهة أخرى، وهو ما يوقعنا في التجسيم، كالميل إلى عزو السلوكيات الأخلاقية البشرية إلى الحيوانات.

من جهتها، قالت دليلة بوفيت -عالمة الأخلاق ومحاضرة في مختبر علم السلوك والإدراك المقارن في جامعة “باريس نانتير لاديفونس” (Paris Nanterre La Défense)- “نحن مضطرون لأن نبدأ من ماهية الأخلاق البشرية، ومن السلوك الأخلاقي في الإنسان لمعرفة ما وجدت هذه الأخلاق في الحيوانات والأسباب الكامنة وراء ذلك”.

بروتوكولات بحثية للتحقق

ولتجاوز الحكايات المعزولة التي لا يمكن أن تكون إلا بمثابة فرضيات، يُعِد علماء السلوك بروتوكولات بحثية للتحقق مما إذا كانت السلوكيات الأخلاقية المفترضة التي لوحظت في حيوان ما ببيئته الطبيعية تتكرر في مواقف مصطنعة.

أجابت دليلة بوفيت عن سؤال ما إذا كانت الحيوانات موهوبة بحس أخلاقي، أنّ لها حسا أخلاقيا وأنّ الكثير منها يمتلك القدرة على التعاطف والتفاعل مع الظلم وتجنب الأذى والانخراط في سلوك تآخي حقيقي وإيجابي. باختصار، تعدّ “الحيوانات غير البشرية” قادرة على القيام بالسلوكيات والأفعال التي تسترشد بالرضا الفردي أو الحسّ الفطري البسيط.

وأشار نيكولاس ديلون إلى مسألة قدرتنا على قبول مسؤولية تبعات الحسّ الأخلاقي للحيوانات، وهو ما من شأنه أن يغيّر التزاماتنا تجاههم. وعلى سبيل المثال، ينبغي علينا أن نمدح الحيوانات التي تظهر حسا أخلاقيا عظيما وأن نلوم تلك التي لا تُظهر ذلك.

وحتى في حالة وجود حس أخلاقي معين داخل أنواع معينة، فمن الصعب التفكير في تحميل المسؤولية بين هذه الأنواع، خاصة بين البشر والحيوانات الأخرى عندما تتقاطع الفلسفة وعلم السلوك.

وطوّرت المختصّة في سلوك الأفيال جويس بول وفريقها ما يسمونه “الرسم البياني الرقمي”، وهو مستودع يجمع أكثر من 500 سلوك مصوّر في حوالي 3 آلاف مقطع فيديو وصورة وملفات صوتية مشروحة، استخلصها بول من أكثر من 100 مرجع على مدى أكثر من قرن.

وتوصّل بول إلى أنه -ولئن تمتع كل فيل بخصائصه الخاصة- لا تزال هناك ثوابت مشتركة بين جميع أعضاء النوع نفسه. ويجعل ذلك العمل من الممكن يوما ما فهم النوايا التي توجّه تصرفات الإيثار للفيلة بشكل أفضل، إضافة إلى معرفة ما إذا كان هناك ضغط اجتماعي للتصرف بشكل أخلاقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى