في صيدا، المدينة التي اعتادت الصراع على قرارها البلدي واشياء اخرى، لا تمرّ الانتخابات بهدوء. خلف الشعارات والعناوين البرّاقة، يقف لاعبو الظل، ممسكون بخيوط اللوائح، وصناديق الدعم، وخرائط التحالفات ويحاولون حتى اللحظة الأخيرة الانقضاض على اي فرصة ليكسبوا مقعد او اثنين يعززون فيه انتخاب رئيس للبلدية يشبههم.
عرش مهندسة اللوائح الصيداوية والخطة التمويل القادمة
في الصفوف الأولى، يفرّق بينها وبين الدكتور أسامة سعد، أمين عام التنظيم الشعبي الناصري، مقعد واحد. تجلس المهندسة هانيا الزعتري على عرشها؛ عرش “الأسود” الذي أتقنت الانتماء إليه جيدًا، متوسّمة ضحكتها كما يُقال بالصيداوي: “لورا ديناها”، والذي يُغطيه “حجابها”.
لا تُعرف فقط كمصمّمة خرائط وموظفة دولة، بل كمصمّمة تحالفات، تُعيد ترتيب الوجوه وتُبدّل المواقع كما يُبدَّل موقع حجرٍ في لعبة شطرنج مدروسة. ليست مشاركةً عادية في مشهد الانتخابات الصيداوي، بل عقلٌ مدبّر، يدٌ في كل لائحة، ومرشّح في كل خانة، وأثر في كل تحالف. ولو أُتيح لها، لخاضت معركة المخاتير.
تُدير تحالفاتها كما تُدير مشاريعها، وتقدّم للجهات المانحة نموذجًا أوليًّا “بايلوت” للتمويل: معركة بلدية اليوم اختبارٌ لمعركة نيابية الغد، وحلمٌ للمموّل كما هو حلمٌ لها بنقل صيدا من مكانها، تمامًا كما يتكرّر النموذج في كل منطقة ذات أغلبية سُنّية.
هي لا تتحرّك من فراغ، بل ضمن رؤية أوسع: صيدا ليست مجرد مدينة، بل “ميدان استثمار سياسي لبروباغندا معروفة جيدًا”. الحضور في كل لائحة ليس تكتيكًا انتخابيًا، بل استراتيجية نفوذ طويلة الأمد. وحين تُعلن النتائج، لا يهمّ من يفوز، فالمهندسة حاضرة في المخرجات، والتمويل هو من يُقرّر ما إذا كان المشروع يستحق التوسعة أو التعديل.
نبض البلد… جسر الروتاري والأسود
كثر الكلام عن لائحة “نبض البلد”: بعض مرشّحيها تفاخروا بالجلوس على طاولة “الروتاري”، وكأنها إنجاز مهم بحد ذاته! وآخرون يتصوّرون مع فريق الليونز (LIONS)، ولا يردعهم حجاب أو انتماء ديني، فالوصول إلى هذه المجموعات يركّز على الرأس، لا على ما يغطيه.
والحديث لا يقتصر على الصور، بل يمتدّ إلى التمويل، الخلفيات، والمصالح التي تقود التحالف. في صيدا، كل شيء يُكشف، ولو بعد حين، و”مدينتنا ضيّقة ومنعرف بعض”.
اسامة سعد : العصي ما زالت في الدواليب
وعن لسان الدكتور أسامة سعد ننقل: أكّد الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري الدكتور أسامة سعد أنّ تجربة المجلس البلدي بين عامي 2004 و2010، برئاسة الدكتور عبد الرحمن البزري، وبمشاركة التنظيم الشعبي الناصري، كانت “ناجحة بحسب أي تقييم موضوعي منصف”، مشيرًا إلى الإنجازات على الصعيد الاقتصادي.
كما أقرّ بوجود عرقلة حالت دون تنفيذ بعض المشاريع الكبرى كإزالة جبل النفايات، بسبب تدخلات أطراف نافذة على مستوى الحكومة.
مع ذلك، شدّد سعد على أنّ المجلس “وضع هذه المشاريع على السكة”، مشيرًا إلى انفتاح أبناء صيدا على محيطهم، وواعدًا بأن تستفيد بلدية “صوت الناس” من تلك التجربة، وتُعيد نهج التشاور والانفتاح والتنمية الحقيقية. من تصريح لجريدة النشرة الالكترونية.
التعليق:
لكن مهلاً، يا دكتور أسامة…
لقد كنتم في موقع المسؤولية، وكان لكم تجارب، وقلتم إن العصي كانت توضع في دواليبكم. لكنكم نوابٌ عن المدينة وتمتلكون أدوات التأثير، فلماذا لم تُزاح تلك العصي؟ ولماذا لم تُحرَّك تلك الدواليب؟
وإذا أردنا أن نحاسب “نبض البلد” اليوم بناءً على ما تطرحونه، فالتقييم سيكون في الحد الأدنى. فهذه اللائحة، بكامل أعضائها، مدعومة من طرفكم السياسي، وطرفكم ليس فريقًا رياضيًا بل جهة حزبية لها تاريخ في فشل إدارة الأزمات المتتالية في المدينة، وهي في بعضه جزء من المشكلة لا من الحل. إنّ محاسبة التنظيم بمبادئه، تجعله يُدين نفسه بنفسه.
لذلك، صيدا اليوم بحاجة إلى نَفَس جديد. سمّه “عمر مرجان”، أو “صيدا بتستاهل”، أو “مستقلين”، أو أي اسم آخر. رغم وجود بعض العناصر السابقة، إلا أنّ الفارق أن هذا الفريق لم يتورّط في زواريب البلدية، ولا في التوظيفات العشوائية، ولا في المحاصصات. صيدا بحاجة لمن يدخلها بعقلٍ حرّ، لا بملفّات الفشل القديم، والشعارات، والكلام بلا فعل، والزرع بلا ثمار. صيدا بتستاهل مشروعًا جامعًا شاملًا، وإدارة برؤية واضحة… لا مجرد استنساخ لتجارب أثبتت عجزها.
المال الانتخابي… من يموّل ولماذا؟
إنها قجة المهندسة التي تحارب بكل قوتها، وتنشر أدواتها في كل اللوائح، إلا أن الثقل والوزن الأكبر لها موجودان في “نبض صيدا”، التي جمعت كل من لديه شغف بمحاربة الفكر المحافظ و الاسلامي. فهم شباب وصبايا منفتحون، يساريون وعلمانيون، ولا مشكلة لديهم مع الحركات الماسونية التي كان التنظيم الشعبي الناصري يحاربها في السابق واليوم يفرش لها السجاد الأحمر ليصل وربما ينقل عليه وهذه للأيام. إنها التنازلات التي قُدمت لتأمين مال الحملة الانتخابية وجمع ما يمكن جمعه من دعم استعدادًا لتكاليف الحملة النيابة المقبلة.
أما المال في هذه اللائحة، فهو من مصادر متعددة، ويتجاوز بأشواط ما يُتهم به الصيدلي عمر مرجان. إنها أرقام ضخمة لم تُصرف في صيدا حتى في أحلك الأزمات. والتحدي هنا شخصي، إذ تشير مصادر خاصة ورفيعة المستوى إلى أن المهندس دندشلي قد رصد أكثر من 350 ألف دولار، وهو مستعد لمضاعفة المبلغ إن استدعت المعركة ذلك وتشخصن الموقف مع المهندس.
وتشمل المصادر الأخرى: “جمعية المهندسين في صيدا”، بعض الجمعيات المشبوهة وتجمّعاتها، وأموال مشاريع لم تكتمل أو نُفّذت على عجل بفواتير ضحمة مفندة جيداً. كما تشمل أيضًا توزيع “الكراتين” ومواد التنظيف على مدى طويل لشراء الذمم، على مبدأ “طعمي التمّ بتستحي العين” وتحمم صار عندك صابون، إضافةً إلى أماكن ومراكز ترفيه تراثية وغير تراثية شكّلت دائمًا خلفية داعمة لهذه الوجوه، وهو دعم مشترك بين التنظيم الشعبي الناصري، ومعظم تجمّع الجمعيات، وبعض الصحفيين اليساريين والعلمانيين الذين يحملون الروح ذاتها: “حاربوهم، إنهم رجعيون وظلاميون لا يريدون للشارع أن” يتهشك ويتبشتك”.
المعركة الحقيقية: صيدا بين القيم المحافظة والتفلّت
ليست هذه مجرّد معركة بلدية، بل هي معركة على قرار المدينة وهويتها. انه صراع قديم متجدّد يعرفه جيداً أبناء صيدا والمخيمات، بين خطّ الالتزام والمحافظة، وبين من يريد للمدينة أن تُسلَّم لقوى المال والانفتاح المتفلّت، حيث لا مكان للقيم، بل للربح والمصلحة، حتى ولو” شُيِّدت القصور على المزارع، والخمّارات إلى جانب المصانع”.
الهدف واحد: مصادرة قرار صيدا الملتزم، وإعادة تشكيل وجهها وهويتها تحت شعارات الانفتاح الزائف، وصفقات مشبوهة، ومشاريع لا تعبّر عن روح المدينة الأصيلة، بل عن مصالح ضيّقة، وتمويلات بلا مرجعية أخلاقية، والمزيد من “برووزيلات ” (proposals).
نعم، ربما تأخّرت بعض القوى المتزمة والمحافظة في الترشّح، وربما كانت تفضل التفاوض سابقًا والمقاعد المضمونة. لكن هذه الدورة مختلفة. فهناك من قرّر أن يخوض المعركة بشكل مستقل، خارج العباءات السياسية المعروفة، وبعقل جديد لا يشبه زمن المحاصصات والتوظيفات والتبعية.
لأن صيدا بتستاهل… بتستاهل فريقًا نقيًّا في خياراته، ثابتًا على المبادئ، لا يساوم على هوية المدينة، ولا يبيعها على طاولة الصفقات. صيدا بتستاهل رؤية تحافظ على أصالتها، وتفتح أبواب التطوير، لا أبواب الاستغلال والشعارات الرنّانة التي لا تُثمن ولا تُغني من جوع. صيدا بتستاهل ان يحاسب الناجحون بعد 24 أيار 2025.
كتابة: أ.علي الإسكندراني (غير مرشح للانتخابات البلدية )
ملاحظة توضيحية: يعبر كاتب هذه المقالة عن احترامه وتقديره لجميع الأشخاص الوارد ذكرهم، فهم أصدقاء والزملاء. هذا المقال نقدي موجه للتصرفات والأدوار السياسية والانتخابية، وليس نقدًا شخصيًا أو هجومًا على الأفراد.










