أخبار عربية ودولية

ترامب لنتنياهو: “أميركا أولاً” في الشرق الأوسط!

عادت ضفتا الأطلسي ترمي شباك الواقعيّة، متكافلة متضامنة ما بينها، حتى لا تنحرف أسماك المحيط نحو تيارات مائيّة معاكسة للمصالح الأميركيّة ـ الأوروبيّة المشتركة.

حاول الرئيس دونالد ترامب أن يمزّق الشباك من طرف واحد، رفع الرسوم الجمركيّة بوجه القارة العجوز. فرض تعريفته على حلف شمال الأطلسي لضمان إستمراريته. تجاهل الثرثرة الأوروبيّة حول ليالي كييف الحالكة، وإدار ظهره للحلفاء القدامى، وراح يغازل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول مواصفات اليوم التالي في أوكرانيا.

إستدرك الأوروبيّون جسارة العاصفة الترامبيّة. أدركوا أن مراكبهم لا يمكن أن تبحر من دون أشرعة أميركيّة عالية السواري. عادوا إلى الحضن الدافىء بشيء من الإعتذار، بعدما ذاقوا طعم الإنكسار. إقتنعوا أن مصالح الدول والشعوب لا تُقاد بنزوات ثأريّة، وكان لا بدّ من التلاقي، لتلافي الأدهى.

لم يكن التحوّل الأوروبي تجاه غزّة، نابعاً من إستقلاليّة آحاديّة، بل جاء منسّقاً مع واشنطن. وهناك من يقول إن إدارة ترامب هي التي دفعت بالأوروبيّين إلى توجيه الرسائل الساخنة نحو بنيامين نتنياهو رفضاً لسياسة التجويع والتدمير التي ينتهجها. وإن الأطلسي عاد إلى هدوئه، وكان تلاقٍ ما بين الضفتين على إطفاء الحريق الهندي ـ الباكستاني بسرعة كي لا يتمدّد إلى مخزونيهما النووي. ورفض الوقوف على رصيف “الحزام والطريق” لمعاينة ما يخلّفه المسار الصيني السريع من تداعيات كارثية على الصناعات والإستثمارات الغربيّة.

أدرك الأوروبيّون المدى الذي بلغه التحالف الأميركي ـ الخليجي في فضاء الشرق الأوسط. بعض دبلوماسييهم في بيروت يفتح صفحة جديدة حول الأبعاد، والخلفيات. زيارة ترامب إلى المملكة العربيّة السعوديّة، ومنها إلى قطر، فالإمارات العربيّة المتحدة، لم تكن مجرد أرقام تكرج على شاشة الآلة الحاسبة، ولا رسائل من نوع الحشو موثّقة بالصوت، والصورة، بل أشبه بمهرجان إحتفالي تدشيناً لصفحة جديدة عنوانها: “شراكة أميركيّة ـ خليجيّة على مستوى الشرق الأوسط الجديد”.

ويعترف الأوروبيّون بأن اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس ترامب، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كان حجر الزاوية في بنيان الشراكة. وإن رفع العقوبات كان مجرّد تأشيرة تسمح للرئيس السوري الإنتقال من الشعارات، إلى الخطوات التنفيذيّة، ومن الوعيد إلى التسديد.

ولبنان الذي كان في طليعة المرحّبين برفع العقوبات، إنما أراد ـ بنظر الأوروبيّين ـ أن يقدّم إفادة حسن سلوك حول تقيّده بضوابط المسار الأميركي ـ الخليجي – الشرق أوسطي. وأن الرئيس جوزاف عون يحظى بأوسع مساحة من الدعم كون عهده جزءاً من الورشة الأميركيّة ـ الخليجيّة ـ الشرق أوسطيّة. والقطار إنطلق، وليس على مساره أي محطة للنزول، والإقصاء، والأبعاد. وإن الكلام المصاغ بلهجات التحذير والتهديد، الصادر عن بعض المسؤولين في واشنطن، حول حصريّة السلاح، وسرعة التنفيذ، ما هو إلاّ من باب التنبيه والتذكير، وليس من باب التهويل، وقد أعلنتها السيدة مورغان أورتاغوس صريحة “إن ما أنجزه العهد خلال ستة أشهر، يفوق ما تمّ إنجازه خلال الـ15 سنة الماضيّة”.

واللافت بنظر الأوروبيّين، أن الشراكة الأميركيّة ـ السعوديّة – الخليجيّة لن تحجز مقعداً لنتنياهو في الصفوف الأمامية. جاء ترامب إلى المنطقة وغادرها من دون أن يمرّ بتل أبيب، وفي تصرّفه هذا رسالة واضحة إلى رئيس الوزراء الدموي، عنوانها واضح: “أميركا أولاً” في الشرق الأوسط، وليس “إسرائيل”. والجنرال المطلق الصلاحيّة هو الأميركي، وليس الإسرائيلي. ودور الأخير موظّف لخدمة إستراتيجيّة الأول، كونه واحداً من بطانته، ولا يملك تفويضاً بالإمرة والقيادة.

وعندما ذهب ترامب نحو روسيا ليحدّثها عن أوكرانيا، لم يعر إهتماماً لنتنياهو. وعندما أرسل وفده إلى مسقط لمفاوضة الإيراني، لم يطلب موافقته. وعندما توصل مع الحوثي إلى “صفقة أمنية” حول البحر الأحمر، لم يستشر نتنياهو. وحينما توصّل مع “حماس” لإطلاق سراح الرهينة الأميركي ـ الإسرائيلي، لم ينتظر موافقة تل أبيب. وعندما إلتقى أحمد الشرع في الرياض، لم يحصل على تفويض من نتنياهو. وعندما أقدم على إعلان رفع العقوبات عن سوريا، لم يفعل ذلك بطلب من نتنياهو، بل من محمد بن سلمان، ونزولاً عند رغبته.

ولّت سنونوات الربيع من سماء الكيان الغاصب مسرعة مبكرة هذا العام. لم تصدر الأسابيع الماضية إفادة حسن سلوك يقدّمها نتنياهو إلى وليّ أمره في البيت الأبيض. ولا لدى الأخير حاجة، أو لهفة، للحصول عليها، لأن الحنطة التي زرعها في أرض الخليج لا تتقبّل الزؤان الإسرائيلي، ولا تهضمه، خصوصاً أن المواسم الواعدة تتجاوز العلاقات الثنائيّة، لتتمدّد على مساحة الشرق الأوسط الجديد.

والأوروبيّون الذين إستشعروا الوحشة، وهم يغادرون القطار الأميركي ـ الترامبي، عادوا ليحتلّوا مواقعهم من جديد، ووفق التعرفة الجديدة التي فرضها ساكن البيت الأبيض، والمواصفات التي ينادى بها.

لقد عاد الهدوء النسبي إلى المحيط. وعادت ضفتا الأطلسي ترمي شباك المصالح في البحار المكتنزة بعد زيارة ترامب التاريخيّة إلى المنطقة. أدركوا أنه إختار، وعن إقتناع، لؤلؤ الخليج الفاخر، ليرقّط تاج الشرق الأوسط الجديد.. إستلحقوا الفرصة المؤاتيّة، صعدوا إلى القطار المتّجه نحو غزّة لعلّ.. وعسى!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock