خاص هنا صيداصيدا والجنوب

*أبواق صيدا…من أخذ دورها؟؟*

*أبواق صيدا…من أخذ دورها؟؟*

على سطح سينما شهرزاد في شارع رياض الصلح، تقبع مكبّرات الصوت القديمة معلّقة داخل قفص معدني صامت، كأنها شاهد على زمن لم يرحل بعد، رغم تغيّر الوجوه واختلاف الوسائل.

هذه الأبواق لم تكن مجرد أجهزة، بل كانت ضمير المدينة حين تستشعر الخطر. حين يعلو صوتها، كان الناس يعرفون: الخطر حاضر، والنجاة تبدأ بالانتباه. الإنذار يسبق الخبر، ويختصر الخوف في نغمة واحدة.

وفترة وايام لم تكن بعيدة، كانت المدينة والبلاد كلها تحت حماية مقاومة قوية فرضت الردع والقوة، عاش الناس بأمان وطمأنينة، وكان العدو يحسب لنا ألف حساب.

لكن اليوم، تبدّلت الأحوال. نجد من يدعم العدو بكلامه ومواقفه وسياساته، وينفذ ما يُطلب منه، فتتبدل المفاهيم، ويُقدَّم الذل أحيانًا على أنه رأي، أو حياد، أو “وجهة نظر”.

واليوم، لم تعد الأبواق حديدًا وصوتًا فقط، بل صارت أبواقًا بشرية، تبثّ الفتن، وتنشر الرعب والخوف، وتزرع التآمر والعمالة بين الناس. أخطر ما في هذه الأبواق أنها تستخدم وسائل التواصل الحديثة، حيث يُعاد النسخ واللصق بلا وعي، ولا تبيان، ولا تحقّق، فتتحول الأكاذيب إلى “حقائق”، والإشاعات إلى مواقف، والخطاب التحريضي إلى رأي مسموم.

إنها أبواق لا تصرخ مرة ثم تصمت، بل تعمل على مدار الساعة، تُضخّم الخوف، وتُفكّك المجتمعات، وتضرب الثقة بين الناس، وتُضعف الشعوب من داخلها، حتى بات الخطر منّا وفينا ومعنا وبيننا.

جيل كامل ما زال يتذكّر ذلك الصوت المميز، حين كان الإنذار يسبق الخبر، ويكثّف الخوف في نغمة واحدة.

واليوم، مع استمرار الاعتداءات والانتهاكات، والتحليق المكثف للطائرات المسيّرة والقصف المتكرر واستباحة الأجواء، تبدو هذه المكبّرات كأنها قطعة من ذاكرة لم تُطوَ بعد.

ماذا لو وُجدت هذه الأبواق لتعمل بالآلية القديمة اليوم، لكان نظام الإنذار في تشغيل دائم على مدار الساعة، وقد اعتاد الشعب الصابر هذه الاعتداءات حتى صارت جزءًا من حياته اليومية

الأبواق القديمة صامتة تحرس الذاكرة، والأبواق الحديثة تصرخ بالفتنة دون مسؤولية. وبين الماضي والحاضر، تبقى مكبّرات الصوت معلّقة فوق رؤوس المارّة، لا تصدر صوتًا، لكنها تقول الكثير؛ عن مدينة اعتادت الإنذار، وعن زمن تغيّرت فيه أشكال الخطر، بينما بقي القلق واحدًا… بل صار أشدّ وأقرب ،،ليس تشآؤماً والله ،، لكن بوجود غياب الوعي وبقدان الوطنيّة.

بقلم الشيخ د.صهيب حبلي



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock