اقلام وافكار حرة

*أيُّ استقلال نحتفل به؟ ومَن يجرؤ على تزوير الذاكرة؟*

*🖋️بقلم الباحث السياسي جواد سلهب*

🔹 في كلّ عام، يُعاد السؤال نفسه: أيّ استقلال نحتفل به؟ وأيّ رواية رسمية يُراد لنا أن نُصفّق لها ونُسلّم بها، وكأنّ اللبنانيين فقدوا ذاكرتهم أو قُدرتهم على التمييز بين الحقيقة والزيف؟
كيف نحتفل بـ”استقلال” لم يكتمل يومًا، فيما القرار مرتهن، والسيادة مثقوبة، والأرض بقيت عقودًا تحت الاحتلال، والاقتصاد مسجونًا في بيت المال الغربي، والسياسة مربوطة بحبل السفارات؟

*▪️الاستقلال… المفهوم المغيّب عمداً*

الاستقلال ليس عرضًا عسكريًا ولا نشيدًا يصدح، ولا احتفالاً في الساحات.
الاستقلال، في تعريفه الأكاديمي والواقعي، هو امتلاك الدولة قرارها من دون وصاية، وقدرتها على حماية أرضها من دون استئذان أحد، وبناء مؤسساتها على قاعدة الإرادة الوطنية لا التعليمات الخارجية.

فهل عشنا يومًا استقلالًا بهذه المواصفات؟
أم أنّنا اكتفينا بالتمثال والذكرى، بينما بقي القرار خارج الحدود؟

▪️من نكد الدهر أن نسمع خطابات تتغنّى بـ”استقلال 1943″، فيما معظم صُنّاع القرار آنذاك كانوا «محسوبين» على الخارج، بين من يدين بولائه لباريس، ومن ينتظر برقية من لندن، ومن يساير واشنطن في ما تُريد.
أيّ استقلال هذا الذي يُكتب في العاصمة الأجنبية ويُوقّع في بيروت؟

ثم يأتي من يفاخر بالاستقلال، بينما الأرض كانت محتلة حتى عام 2000، والحدود مسروقة، والجنوب يُقصف كل يوم… ومع ذلك لم ترتجف شفاه بعض الساسة إلا للتغنّي بالمظلّة الغربية لا بدماء الشهداء.

▪️الحقيقة التي يحاول البعض طمسها أن الاستقلال الفعلي لم يُصنع في 1943، بل يوم طُرد الاحتلال من دون تفاوض ولا إذعان عام 2000.
تحرير الأرض هو الحدث الوحيد في تاريخ الجمهورية الذي أعاد للبنان شيئًا من كرامته وسيادته.
ومع ذلك، أبطال التحرير يُقصَون، ويُشيطَنون، ويُنعَتون بالخونة، فيما تُفتح المنابر لمن ارتهن للخارج، ولمن حوّل لبنان إلى دفتر حساب على طاولة الدول الكبرى.

*من يزور التاريخ… يسرق مستقبل الوطن*

المعادلة واضحة:
لا استقلال بلا قرار حرّ. ولا سيادة بلا قدرة على الدفاع عنها. ولا وطن بلا حماية أبنائه.
ومن يظن أن الاستقلال مجرد احتفال، يغفل أن شعوب العالم لم تُكتب لها الحياة إلا حين امتلكت قرارها وترابها.

▪️لبنان الذي حلم به الشهداء هو لبنان الـ10452 كلم كاملًا، حرًّا، مستقلًّا، لا ينتظر إذنًا من أحد، ولا يقايض دماء أبنائه ببسمة سفير.
ذلك هو الاستقلال الذي يستحق الاحتفال.
وإلى أن يأتي يومٌ تتحرر فيه القرارات كما تحررت الأرض… سيبقى عيد الاستقلال ذكرى ناقصة، ورواية ناقصة، ووعدًا ينتظر من يحققه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock