من يمرّ اليوم أمام دائرة أوقاف صيدا، قد يخال أن الحراك القائم هناك هو لأجل غزة الجريحة، لأجل الشهداء الذين يتساقطون تحت قصف العدو ليل نهار، لأجل الأطفال الذين تفرقت أجسادهم، والنساء اللواتي غادرن بيوتهن تحت ركام الدمار، لأجل الشيوخ الذين صبروا وربّوا وتحمّلوا مرارة النكبة تلو النكبة.
يظنّ الناظر من بعيد أن هذه الوقفة هي من أجل فلسطين، هي صرخة حق في وجه من سلب الأرض والعرض، وذرف دموع العالم دون أن يُحرّك ساكنًا.
لكن ما إن تقترب، حتى تكتشف أن لا غزة في المشهد، ولا فلسطين على اللافتات، ولا ذكر للشهداء أو الأقصى أو المجازر المستمرة.
الحدث بكل بساطة: مجموعة من المشايخ تعترض على قرارات إدارية صادرة بحقهم. أحدهم تغيّب عن مسجده وتخلّف عن أداء وظيفته، وآخر رفض قرار التكليف الشرعي، وثالث استنكر قرار متولية الوقف التي غيّرت الإمام والخطيب.
نعم، من حقّ كل إنسان أن يعبّر عن موقفه، وأن يُراجع ويطعن ويعترض ضمن القنوات القانونية والأخلاقية. ولكن، أن يكون المشهد وكأنّه وقفة كبرى لأجل قضية كبرى، وتحرض الجماهير على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها قضية الاسلام والمسلمين، ويتقاتل المصلون في المسجد من اجل هذا الامام او ذاك.. ثم يظهر أنه “اعتراض شخصي” على قرار إداري او قضائي، فهنا تطرح الأسئلة نفسها:
• أين كان هذا الحماس حين استُبيح المسجد الأقصى؟
• أين كانت هذه الوقفات حين استُشهد آلاف الأطفال في غزة؟
• هل المنبر لا يُغضب إلا حين يُؤخذ من صاحبه؟ أم أن صاحبه يغضب لله، لا لذاته؟
ثم نقولها بوجع:
“إذا تركتَ أخاك للذئاب، تأكلكَ الكلاب!”
كم من شيخٍ قبلهم تُرك وحده يُهان ويُهاجم ويُساء إليه وإلى عرضه..، ولم يتدخل أحد من هؤلاء لنصرته أو حتى للدفاع عنه؟!
فكيف تُستنفر اليوم الأقدام والعمائم، لا نصرة لحقٍّ عام، بل استردادًا لمكانة شخصية وما خفي اعجب!
المشكلة اليوم، أن بعض من تولّى أمر المساجد نسي أن الإمامة مسؤولية لا سلطة، وأن الخطابة رسالة لا مهنة، وأن المسجد بيت الله، لا حكر لأحد.
نقولها بصدق: من لا يغضب لغزة لا يحق له أن يغضب لكرسي، ومن لم ينصر اخوانه في الحق فكيف ينتظر من ينصره. ومن لا يذرف دمعة على طفل فلسطيني، ومن منع عنه التحرك والعمل وحوصر في رزقه… لا يحق له أن يرفع الصوت دفاعًا عن وظيفة يراها حقا له كحقوق الأمة.
نصيحة؛ فلتكن تحرّكاتنا قدوة، ووجهتنا بوصلةً نحو القضايا الكبرى، لا حراكًا مشروطًا بمصلحة أو عصبية أو منصب…










